22‏/02‏/2009

فالس مع اليسار الصهيوني!

قبل عدة اسابيع دعتني صديقتي لمشاهدة فيلم "فالس مع بشير". فقصدنا "السينماتك" والمعروفة باختصارعروضها على افلام ذات جودة من حيث المضمون، وبالتالي قلما يقصدها الناس. غير أن هذه المرة على غير عادة امتلاءت القاعة حتى سطورها الاولى! كانت هذه من اقل الافلام متعة، حيث وجدت نفسي اجلس بجانب امرأة ربما في وسط الخمسينات اخذت تستنشق الهواء بطريقة مبالغ بها في كل مرة قتل احد الجنود في الفيلم! لا بل في بعض الاحيان اخذت تململ كلمات غير مفهومة لا ادري ان كانت مسبات ام دعوات، الا ان في كلا الحالتين لم تكن لوحدها، إذ تابع الجمهور الفيلم وكأنهم لا يعلمون ماذا سيحدث، لا بل وكأن النهاية قد تفاجئهم! وكأنهم في قلق كياني حقيقي!
قد تكون سر شعبية الفيلم هو ترشحه لجائزة الاوسكار. كما واثار الفيلم اهتمام واسع في اسرائيل والعالم اما لموضوعه واما لتقنيته. الا ان ما لفت انتباهي واثار تفكيري في اعقاب مشاهدته هو النهج اللذي يتبعه الفيلم لسرد احداث مجزرة صبرا وشتيلا. فعدا كون المخرج يوظف الاحاسيس ومميزات الفيلم الوثائقي لفرض الواقع اللذي يريده. فهو يفرض منطقًا ومصطلحات منحازة، تصب في مصلحة الخطاب الصهيوني.
ان ما يجعل الفيلم فلمًا سياسيًا يخدم الخطاب الصهيوني، ليس كونه قصة شخصية توثق التاريخ من زاوية فردية، تعتمد على ذكريات ووجه نظر شخصية، بل كونه يلغي السؤال الجذري حول شرعية الاحتلال اطلاقًا لا بل يكرس الإحتلال وكأنه واقع مفهوم ضمنًا لا مجال لنقاشه. هذا إضافة لتمحور الفيلم حول اشكاليات تخدم المصلحة الصهيونية بشكل مطلق. فالفيلم يسرد ما حدث في علاج نفسي لجندي اسرائيلي اي يتعامل مع فحوى انسانيته وتجاربه الشخصية، تلك التي لا يستطيع الفرد الا ان يشعر بإلفتها. الا ان قمة توظيف الفيلم للخطاب الصهيوني يبلغ قمته من خلال ادعائه "النقدية"، ذلك النقد المنحصر في قوالب ضيقة منفصلة الواحدة عن الاخرى تمنع المشاهد من تخطي حدود النقاش المرغوب به. مثلا احد الجنود يعي الحرب فقط عندما يشاهد منظر احصنة تموت! هذا النقد المقولب يحصر النقاش داخل الخطاب الصهيوني اي بين ما يسمى باليسار
-اليمين الصهيوني.
كيف للمشاهد ان ينقاش ويتطرق لتفاصيل الفيلم دون تورطه بهذا الخطاب(؟!) حيث جلّ المنطق والنقد والاحداث مجنّدة لإعطاء الاحتلال وجه انساني !؟. فالجدال ليس فقط حول شرعية المحتل في فرض واقع مترع باحاسيسيه ليكشف عن جانب "انساني" بينما يغيّب "انسانية" الضحية، بل حول شرعية النقاش في محور تُستعمل به احاسيس الفرد ومصطلحات انسانية وأدوات تحليلة وعلمية لاهداف ومصالح تنعدم فيها هذه القيم. ترشح الفيلم لجائزة الاوسكار وربما فوزه بها، هي خطوة اخرى من خلالها تضع الصهيونية بصمتها على التاريخ لتقصه من منظورها ولمصلحتها. كما هي خطوة اخرى لابتعاد العالم عن لبّ المبادئ وقدسية القيّم الانسانية وجعلها مواد اخرى يمكن التجارة بها والاستعانة بها لمصالح لا صلة لها بالانسانية.

هناك 6 تعليقات:

صبحي خطيب يقول...

شاهدت هذا الفلم قبل حوالي النصف سنة، لذا لست أذكره تماماً. لكن..
حديثك عن مشاهدة الناس للفلم وكأنهم لا يعرفون النهاية إنما يدل على جودة النص والاخراج. نعم، يرجع البعض من شعبية الفلم أنه ترشح للأوسكار، وربما أيضاً لحقيقة أنه الفلم الاسرائيلي الأول (أو الثاني على الأكثر) الذي يكون كله صور متحركة، لكن ليست فقط هذه الأسباب، فهو مشوق رغم معرفة الأحداث تاريخياً ويربطنا مع الشخصية رغم كرهنا لما تمثله، وللاسرائيلي الترابط مع الشخصية أسهل لأنه لا يكره ما تمثله، بل يقدره.
نعم الفلم يصب بشكل ما بمصلحة الخطاب الصهيوني، لكن هذا لا يعني أن ننكر على المخرج إتقانه هذا الفلم. شيء طبيعي أن يتعامل مع فحوى انسانية، فهو يسرد قصة شخص، ولهذا الشخص مشاعر، إن كان جندي أو نازي أو مغتصب أو مجرم من أي نوع..
صحيح أن هذا الفلم ربما يعطي للاحتلال وجه انساني، لكن أليست الكثير من الأفلام تعطي للمجرمين والمافيا وتجار المخدرات وعملاء السي اي ايه وجنود من مختلف جيوش العالم وجه انساني ؟! بعض من هذه الأفلام نتعاطف معها ونحب شخصياتها أحياناً..
ماذا توقعت من فيلم اسرائيلي ؟ أن يناقش مدى انسانية قيام دولة اسرائيل على أراضي فلسطينية مغتصبة ؟ أن يرينا بشاعة المجازر التي قام بها أجداد أو أباء من شاركو بالفلم ؟ على الأقل هذا الفلم ناقش تورط اسرائيل بالمجزرة التي حصلت.
الفلم لم يفز أمس بالاوسكار، لكن ثقي أن الصهيونية تضع بصماتها على التاريخ وتقصه من منظورها وشيئاً فشيئاً تتجذر هذه الصورة في العالم، وبعد عشرات السنوات (إن بقيت اسرائيل) سوف تصبح هذه هي القصة المعتمدة ! هذه كارثة، لكن ما دمنا فقط نتفرج -بالمعنيين- ولا نصنع ما يروي قصتنا بالمستوى المطلوب ويخاطب العالم فلن نجني سوى الآهات والدموع..

كيان يقول...

لن اجادلك ان كان الفيلم فعلا مشوقا او غير ذلك، لسببين- اولهم: لان هذا يعود للذوق الشخصي وثانيًا لان هذه المسألة ليست جل الحديث. (ومع ذلك لا بد من الاشارة الى ان نسبة المشاهدة للفيلم قبل ترشيحه للاوسكار كانت منخفضة).
اما بالنسبة للوجه الفني/التقني للفيلم، اظن انه يستحق النقاش - لكن لا يمكن معالجته بمنأى عن الرسالة التي يروج لها. برأيي من الجدير مناقشة مثل هذه الاعمال من منظور نقدي لنوعية القيم الانسانية التي تستعرضها وتعززها وتلقى الضوء عليها.

لا شك ان المجرم والنازي والجندي اناس لهم مشاعر، فالاشكالية ليست باستعراض هذه المشاعر واعطائها حيز وانما بتحويلها لوسيلة تبرير لاعمال غير انسانية، وكأن القضية ليست قضية عدل وحق بل قضية وجهات نظر وبدائل متساوية من حيث شرعيتها.
الفنون على انواعها قد تكون افضل حيز يلائم التعبير عن التجارب الشخصية والرؤية الذاتية، ولكن جودتها هي بقدرتها على القاء الضوء واثارة الاسئلة حول هذه المواقف الشخصية وليس في تقديسها!!
لا اتوقع شيئا ايجابيا من محتل، لكن ذلك لا يبرر ان نتقبل اعمال فنية تسيء لقيم الحق والعدل وتعزز الظلم والعنصرية.
لا اوافقك الرأي ان الفيلم يناقش تورط اسرائيل للمجزرة وانما هو يروّج للدعاية الصهيونية عن "إنساتية الجيش الإسرائيلي". وهذا يتجلى بشكل لا يقبل التأويل في المشهد الأخير مع الطبيب النفسي- الذي بدور العالم يحلل سبب فقدان الجندي لذاكرته بأنه نتج عن "عدم قدرته" على تحمّل فكرة كون له ضلع بالمجزرة. هذا بينما تأتي استعادة الجندي لذاكرته كجزء من تحرره من عقدة الذنب حيث يسأل طبيبه – كيف ربطت نفسي بجرائم مجزرة لم ارتكبها إذ كنت في الحلقة الثانية أو الثالثة (أي لم يقم بالجرائم بشكل مباشر).
اوافقك على انه يجب علينا سرد قضيتنا من خلال منصات مختلفة ومنها الفن والاعلام، وهذا لا يلغي - لا بل يشمل تناول مثل هذه الأعمال برؤية نقدية وإلا فقد نجد أنفسنا منساقون وراء خطاب عنصري ومتورطون فيه دون وعي.

زفت يقول...

هناك مقالة رائعة لدكتور أسعد ابو خليل تعالج قضية هذا الفيلم...الرابط هنا:http://www.arabs48.com/display.x?cid=7&sid=25&id=60826

أريد أن اورد فقرة من المقال تلخص الموضوع من وجهة نظري:

" لم يرد الفيلم أن يتحدّث في التاريخ. لم يرد أن يتحدّث في المعاناة. حتى عندما تتطرّق الليبراليّة الصهيونية إلى المعاناة، هم يعنون معاناة القتلة. كوابيس جنود الاحتلال كانت أهم من معاناة ضحايا صبرا وشاتيلا. تحدّث الجنود عن معاناتهم فقط، لم يُسمح للضحايا العرب بالتحدّث عن معاناتهم هم (وهن). كوابيس جنود الاحتلال كانت أفظع من قتل الأطفال في قصف إسرائيل الوحشي قبل صبرا وشاتيلا وبعدها."

كيان انت قلت أعلاه:

"الفنون على انواعها قد تكون افضل حيز يلائم التعبير عن التجارب الشخصية والرؤية الذاتية، ولكن جودتها هي بقدرتها على القاء الضوء واثارة الاسئلة حول هذه المواقف الشخصية وليس في تقديسها!!"

رائع...

زفت يقول...

بخصوص توظيف الفن لطمس التاريخ:

فيلم بيرل هاربر الذي يروي قصة الهجوم الياباني على مرفى "بيرل هاربر" في سياق قصة حب هوليوودية نمطية...دون أي كلمة بخصوص أكبر جريمة حرب ارتكبت في التاريخ البشري..القنبلة الذرية هيروشيما ونكازاكي...جريمة لا يتكلم أحد عنها كأنها مأخوذة من قصص الخيال العلمي

صبحي خطيب يقول...

أخيراً !! صارلي يومين بحاول أعلق ومش معطيني الكومبيوتر !
المهم،

القضية مع كل الحق الكامن بها تبقى وجهة نظر ! وشرح كل طرف لمنظوره لنفس الحقائق يؤكد ذلك. هذا لا يبرر ما قد حصل، في أي حادثة، لكنه الواقع. مثلاً، إذا سرق بيت وهذه حقيقة فيوجد للسارق وجهة نظر عما حصل ولصاحب البيت الذي سُرق ايضا وجهة نظر، وجود وجهة نظر للسارق لا يبرر السرقة لكنه موجود ولا مجال لإنكاره. لا توجد حقيقة مطلقة وكل ما نراه هو وجهات نظر، حتى الوقائع التي نعيشها !
جودة الفنون كما قلت (بوافق زفت بإعجابو بهاي الفقرة) تكمن بإلقاء الضوء وإثارة الأسئلة حول المواقف الشخصية وليس تقديسها، وهذا الفلم هو عبارة عن رحلة مواقف لهذا الجندي وتساؤلات عما حدث. أنا لا أدافع عن هذا الجندي، ولا أي جندي كائناً من يكون، لكني ادافع عن حق اي انسان مهما كانت معتقداته أو هويته، أن يعبر عن نفسه فنياً.. (موليير)
الفلم يناقش تورط اسرائيل بالمجزرة –على ما أذكر- من خلال مشهدين، الأول اتصال هاتفي يتلقاه شارون، والثاني في نهاية الفلم حيث يُدخل الجنود الاسرائيلين "جنود" الكتائب للمخيم وهم يعرفون سلفاً ماذا سيحصل وايضاً حين يسمعون ويشاهدون جزءاً مما حصل بدون ان يتحركوا. لكن من جهة اخرى وكما ذكرتِ، الفلم يروج لدعاية "انسانية الجيش الاسرائيلي"، وربما نوعاً (وكأنه) ما يحرر الاسرائيلي من أي عقدة ذنب، إذا وجدت، عن مجزرة صبرا وشاتيلا..
لم أقل ماذا تتوقعين من فلم اسرائيلي لألغي الحاجة للنقد، بالعكس أوافقك على أن النقد هو احدى المنصات الاعلامية الهامة، قلت كذا للتذكير بأن الأساس الذي يقوم عليه الفلم هو غير الذي نعتقد بصحته.

زفت – شكراً على المقال الذي أوردته، مقال رائع ..

كيان – مقالك ايضا رائع لكني كما تعرفين أريد إسماع الصوت الآخر :)

كيان يقول...

زفت - المقال رهيب! شكرًا
كتير من الفنون متورطة بهالشغلة! زي كمان كتابات كامو، اروع ما كتب بالفترة الوجدانية.. اليوم بتضح انو مكتوب من نظرة استعمارية تخدم المستعمر واهدافه ونشر "رؤيته" للواقع :(

مدخن - قديش في اشيا بدي احكيها، مش عارفي وين ابلش!!
بالنسبة "لشو بناقش الفيلم" جواب مناسب ممكن تكون- القطعة اللي اقتبسها زفت من مقال دكتور أسعد ابو خليل...
وع كل حال- منبقى نحكي بهالموضوع..